ابراهيم ابراهيم بركات
210
النحو العربي
ومنه قولهم : ( ما كلّ سوداء تمرة ، ولا بيضاء شحمة ) ، حيث ( بيضاء ) مجرورة ؛ لأنها مضاف إلى محذوف معطوف على ( كل ) ، والتقدير : ولا كل بيضاء . . . ، وذلك التقدير حتى لا يلزم العطف على معمولى عاملين مختلفين ، فسوداء معمول كل بالإضافة ، وتمرة معمول ما ، فلو كان العطف لعطف بيضاء على سوداء ، وشحمة على تمرة ، وهذا يكون عطفا على معمولى عاملين مختلفين ، وهو غير جائز عند الجمهور ، وإن كان يصح عند بعضهم مثل ، ما حكاه الفارسي وابن الحاجب عن الفراء ، ومنعه الجمهور مطلقا . ويجعل بعضهم منه قوله - تعالى : اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [ البقرة : 35 ] . حيث يكون من عطف الجمل ، والتقدير : ولتسكن زوجك الجنة ، فحذف المعطوف ( لتسكن ) ، وأبقى المعمول المرفوع ( زوجك ) ، والمعمول المنصوب ( الجنة ) ؛ وهذا لأنه من حق المعطوف . حلوله محلّ المعطوف عليه ، ولا يصحّ أن يقال : اسكن زوجك الجنة ، فكان على هذا الرأي تقدير محذوف ومعطوف على ( اسكن ) ، وهو ( لتسكن ) . والذين أجازوا العطف على الضمير في مثل هذا الموضع - وهو جمهور النحاة - عللوا لرأيهم بأنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل ، وربّ شئ يصح تبعا ولا يصح استقلالا « 1 » . ومثله ما ذكرناه في ما سبق من قوله تعالى : لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً [ طه : 58 ] والتقدير : ولا تخلفه . فحذف المعطوف ، وبقي معموله . ومنه قول الراعي النميري : إذا ما الغانيات برزن يوما * وزجّجن الحواجب والعيونا « 2 » أي : وكحّلن العيونا ، إذ يجمعهما معنى التزيين والتحسين . و ( العيون ) مفعول به لفعل محذوف معطوف على ( زجج ) .
--> ( 1 ) ينظر : شرح التصريح 2 - 154 . ( 2 ) ينظر : شرح ابن الناظم / 550 المساعد 2 - 445 / شذور الذهب 242 / ضياء السالك رقم 259 / الدرر ، رقم 880 ، 1593 .